الشيخ محمد رشيد رضا

431

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ما لا يخل بالشرط المذكور آنفا . هذا إذا كان راقيا في أفكاره وآدابه ، وأما غير الراقين منهم فهم الذين لا يصدهم عن الفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل إلا القوه القاهرة ، ولولا أن دول أوروبا قد نظمت فرق المحافظين على الحقوق من الشحنة والشرطةالبوليس والضابطة ) أتم تنظيم وجعلت الجيوش المنظمة عونا لهم عند الحاجة لما حفظ لاحد عندها عرض ولا مال ؛ ولعمت بلادها الفوضى والاختلال . ولقد كانت الحقوق والأعراض محفوظة في الأمم من غير وجود هذه القوى المنظمة أيام كان الدين مرعيا في الآداب والاحكام - فتبين بهذا ان طاعة اللّه ورسله لا بد منها لسعادة الدنيا ، على أن السياق هنا قد جاء لما يتعلق بالسعاة الدائمة في الحياة الأخرى . ولذلك كان جزاء الشرط في الطاعة هو قوله تعالى : يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وقد تقدم تفسير مثل هذه الجملة واننا نؤمن بتلك الجنات والحدائق وأنها أرقى مما نرى في هذه الدنيا وأنه ليس لنا أن نبحث عن كيفيتها . لأنها من عالم الغيب وقد أفرد الضمير في قوله « يُدْخِلْهُ » مراعاة للفظ « ومن يطع » الخ وجمع الوصف الذي هو حال منه في قوله خالِدِينَ فِيها مراعاة لمعناها فان « من » من الألفاظ المفردة التي تدل على العموم كما هو معلوم ، وتقدم تفسير الخلود من قبل وسيأتي في آيات كثيرة أيضا وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ لأنه الصافي الدائم الذي لا يذكر بجانبه الفوز بحظوظ الدنيا القصيرة المنغصة بالشوائب والأكدار وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وقد جئ بالحال هنا مفردا كالضمير المنصوب في قوله « يُدْخِلْهُ » فقال « خالِداً » مراعاة للفظ « مَنْ » وقد اختار الأستاذ في نكتة ذلك أن في ذكر أهل الجنة بلفظ الجمع إشارة إلى تمتعهم بالاجتماع وأنس بعضهم ببعض والمنعم يسره أن يكون مع غيره قال المعرى الحكيم ولو أنى حبيت الخلد وحدى * لما أحببت بالخلد انفرادا وأما من قذفه عصيانه للّه ولرسوله في النار فان له من العذاب ما يمنعه عن الانس بغيره فهو وحيد لا يجد لذة في الاجتماع بغيره ولا أنسا ، فلما كان لا يتمتع بمنفعة من منافع الاجتماع كان كأنه وحيد والتعبير بلفظ « خالِداً » يشير إلى ذلك ويؤيد هذا